عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

144

معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )

أعلم الشيخ أبا الحسن بذلك فقال له : اذهب فأخرجه من السّجن وثق باللّه ، أو كما قال ، فذهب الرّجل فدخل السّجن حتى وصل إلى الرجل دون أن يعترضه أحد فوجد الرّجل في ثقل الحديد ، فلم يقدر الرجل على الخروج في حديده ، فرجع الرّجل « 1 » إلى أبي الحسن فأخبره ، فقال له : اذهب بحدّاد يحلّ عنه ، فأخذ الرجل معه حدّادا حتى حلّ عنه حديده في السجن ، وخرج ثلاثتهم ، وحرّاس السّجن ينظرون إليهم فلا ينكرون عليهم شيئا مما صنعوه ، أو كأنهم لم يروهم ، أو كأنهم ألقى عليهم « 2 » النّسيان « 3 » . قال : قال أبو عبد اللّه بن سعدون عن شيوخه ، أن أبا الحسن جاءه سائل فسأله فلم يجد ما يعطيه فقال له : اقلع هذا الفرد باب وخذه ففعل ذلك السائل . قلت : كانت عجوز بالقيروان صالحة ، وبلغ من حالها أنها أتته يوما وهو في ميعاد ، فقالت له : يا علي يا بني تعال ، فقام إليها الطلبة ينكرون عليها فقال : خلوها فإنها عجوز الحارة فقام إليها فقالت : يا بني فإني أخرج في الليل إلى الجامع لصلاة العتمة وعرضت لي طريقان : طريق قريب فيها ضوء مصابيح أهل السوق وفي أموالهم اشتباه ، وطريق بعيد ليس فيها ضوءهم فهل أتجنب الطريق الأولى أم لا ؟ فقال لها : تجنبي ذلك ، فإن في أموالهم اشتباها ، ورجع الشيخ أبو الحسن عنها وهو يبكي ويقول : أي واللّه على علوش واللّه ما خطر لي هذا الورع قط ، وهذا يدلّ على أنه لم يخلق أعمى ، وأتت إليه رضي اللّه عنه يوما آخر فقالت له : يا علي ، ذلك الرجل الطويل الذي كان البارحة يحدّثك من الطّاق من هو ؟ فقال لها : هو الخضر ، وأتت إليه يوما آخر فصاحت له وأسرّت له شيئا فرجع إلى أصحابه وهو حزين يبكي وقال : ما بقي اليوم ميعاد ، فخرجوا إلى العجوز وهم يذمّونها ومضوا إليها وقالوا : ما الّذي قلت له حتى قطع علينا الميعاد ؟ فقالت لهم : فإنه حلفني أن لا أذكره في شيء من هذا الوقت ، فلما كان بعد أيام مات الشيخ أبو الحسن فمضى أصحابه إلى العجوز فسألوها ما الذي قالت له ؟ فقالت لهم : فإني رأيت النبي صلّى اللّه عليه وسلم فقال لي أتقرأ

--> ( 1 ) في ترتيب المدارك : الرسول . ( 2 ) في ترتيب المدارك : إليهم 4 / 621 . ( 3 ) الخبر بأتمه في المدارك : 4 / 620 .